المغرب في عيون الطلبة الأجانب المقيمين في المغرب
قصص البعض منهم مع الاندماج في الوسط المغربي
يدرس بالمغرب مجموعة من الطلبة الأجانب، أغلبهم قدموا من دول إفريقيا جنوب الصحراء، أو من بعض الدول العربية. يوجد بينهم من ازداد بالمغرب وعاش به، ومازال يحتفظ بجنسية بلد والديه الأصلي، أو جنسية الأب في حالة الزواج المختلط الناتج عن زواج مغربية بأجنبي، قبل أن يصدر قانون الجنسية الأخير الذي أصبح بموجبه للأم حق منح الجنسية المغربية لأبنائها.
مغاربة مع وقف التنفيذ
بينما كنا ننجز هذا الربورتاج التقينا أيمن طالب (أجنبي) وهو ينتظر قدوم أخيه من سوريا قرب المطار. عاش أيمن حياته كلها داخل المغرب، لكنه في الوقت نفسه مازال يحمل الجنسية السورية ويجدد أوراق إقامته كل سنة بالمغرب، يظهر منذ البداية على محياه أنه لا يحمل قسمات طالب مغربي، إلا أن هذا لم يمنعه من التأقلم مع الوسط المغربي بعد كل السنوات التي قضاها فيه، بنسج صداقات مع شبان مغاربة في مثل سنه، والحديث بدارجة مغربية سليمة. قرر والداه السوريان القدوم إلى المغرب والاستقرار به في أواسط السبعينات، قبل أن ينجباه وإخوانه. علاقته مع وطنه الأم لم تنقطع، إذ سبق له أن زار سوريا مرتين، كما أن أسرته ماتزال محافظة على التقاليد السورية خلال المناسبات الدينية، لكن أيمن لا يحفي تأثر أسرته بعادات مغربية بعد كل المدة التي قضتها في المغرب، مثلا في شهر رمضان "يمكن أن تجد على مائدة الإفطار أكلات سورية إلى جانب الحريرة وبعض المأكولات المغربية الأخرى"، يقول أيمن. عندما سألناه عن النظرة التي يحملها عن المغرب سكت بضع ثوان قبل أن يعبر، في كلمات، عن اعتزازه بوجوده في بلد كالمغرب، خاصة أنه يرى "أوجه الائتلاف بين بلده سوريا والمغرب كثيرة"، رغم وجود بعض الفوارق التي يعتبرها بسيطة. لم يخف أيمن قبل أن يودعنا رغبته في الحصول على الجنسية المغربية، رغم صعوبة الأمر بالنسبة إليه، خاصة أن والديه سوريان، والقانون المغربي لا يمنح الجنسية إلا لمن كانت أمه مغربية، بسبب قانون الجنسية الجديد.
يختلف عادل (20 سنة) عن أيمن، فهو ثمرة زواج مختلط بين أب ينحدر من الكونغو الديمقراطية وأم مغربية، ورغم أنه لم يسبق له أن زار بلد أبيه الأصلي في يوم من الأيام حسب حكايته، وازداد بالمغرب وعاش به، إلا أنه ظل لوقت طويل يحمل الجنسية الكونغولية، قبل أن يخرج إلى الوجود القانون المغربي الذي أصبح بموجبه يمكن للأم ذات الأصل المغربي أن تمنح الجنسية لأبنائها، إذ حصل على الجنسية المغربية، التي جنبته العديد من العراقيل، ووفرت عليه مشقة تحديد أوراق الإقامة التي تأخذ وقتا طويلا، فقد " كنت أبقى دون أوراق تثبت هويتي باستثناء الوصل الذي تسلمه لي السلطات لمدة شهر أو أكثر"، يتحدث عادل بحسرة.
لم يخف عادل، الذي كان يتحدث إلينا بدارجة سلمية، أثناء حديثه معنا تأثره الكبير بالتقاليد والثقافة المغربية، خاصة أن أباه دخل الإسلام، وبالتالي فهو يقوم بكل الأمور التي يقرها الدين الإسلامي، من زكاة وصوم رمضان، واحتفال بمناسبات دينية وسط مجتمع مغربي، وبالتالي فعادل الذي التقيناه قرب أحد المساجد بمدينة الدار البيضاء، لم يعش صراعا كبيرا بين ديانتين وحضارتين مختلفتين، وأضاف بقوله "كل ما أعرفه عن بلدي الأصلي ما يحكيه لي أبي عن الكونغو الديمقراطية والموسيقى التي أستمع إليها". يعتبر أن المغرب في تناقضاته وسلبياته هو ما يميزه ويجعلك تحبه، وعلى أي حال "فالمغرب بلدي رغم" أنني أعرف بأن نصفي مغربي والنصف الآخر كونغولي"."
في انتظار ساعة العودة
كان علينا التوجه إلى الحي الجامعي السويسي الثاني بالرباط، حيث يسكن بصفة مؤقتة مجموعة من الطلبة الأفارقة المتحدرين من جنوب الصحراء في انتظار أن يفتح الحي الجامعي الدولي أبوابه في وجوههم، لنلتقي فوزان الذي جاء إلى المغرب منذ سنة قادما إليها من البنين. يرى هذا الشاب أن المغرب حقق تقدما اقتصاديا بالمقارنة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، ويمنح فرصا للدراسة والتكوين للطلبة الأجانب، قبل أن يستدرك بتعبيره عن "تذمره" من النظرة التي يحملها بعض الطلبة المغاربة عنهم كأفارقة متحدرين من جنوب الصحراء، بأن هؤلاء الأخيرين يتمتعون بمنح تعطيها لهم وكالة التعاون الدولي، لكننا، يضيف فوزان " نتمتع أيضا بمنح تمنحها لنا بلداننا الأصلية". لا يعتقد هذا الشاب البينيني أن هناك فرقا بين بعض تقاليد البينين والمغرب، على اعتبار أن دينه هو الإسلام ونفس "الطقوس الدينية التي أمارسها في بلدي أجدها هنا في المغرب"، يشرح فوزان، لكن هذا لا يمنعه من القول إن "هناك اختلافا في العادات والتقاليد، لذلك تنظم جمعية الطلبة الأفارقة بالمغرب، أياما ثقافية نحس أثناءها بنوع من التآخي في ما بيننا" يتحدث فوزان.
استطاع فوزان على خلاف العديد من الطلبة الأفارقة المتحدرين من جنوب الصحراء أن ينسج صداقات مع طلبة مغاربة، إذ وجدناه رفقة العديد منهم عندما التقيناه. يفسر هذا الأمر بطبيعة تكوينه في مجال التواصل الذي يفرض عليه ألا يكون منغلقا على ذاته وينفتح على الجميع. قبل أن يغادرنا سألناه إن كان يفضل البقاء في المغرب بعد فترة الدراسة، ليجيبنا بدون تردد " أجدد بطاقة إقامتي كل سنة لأنني مازلت في مرحلة الدراسة، وعندما سأحصل على دبلوم في مجال الإعلام والاتصال، سأعود إلى بلدي".
بخلاف فوزان، وجد خزيمة الشاب السوداني ذا التسعة عشر ربيعا، صعوبات في البداية للاندماج في الوسط المغربي رغم انه عربي ومسلم، إذ أول عائق واجهه مشكلة التواصل مع محيطه الاجتماعي والدراسي سواء بالدارجة المغربية، أو باللغة الفرنسية التي يدرس بها في مجال الإعلاميات، كما أنه في البداية وجد أن المغرب أكثر انفتاحا من السودان التي اعتبرها أكثر محافظة، كما أن العادات والتقاليد مختلفة، "عندما كنت أسلم على الناس في السودان يردونه عليك، أما في المغرب فالأمر مختلف، بالإضافة إلى أنني كنت أجد صعوبة في تناول الأكل المغربي، قبل أن أتعود عليه"، يشرح خزيمة، الذي لا يدري إن كان سيبقى في المغرب لإكمال دراسته بعد الإجازة، أو سيعود إلى بلده السودان الذي يقول إنه في حاجة إليه.
المغرب بالنسبة إليه تجربة مهمة ومميزة في حياته، "كما أنه بلد جميل رغم ما يحمله من تناقضات".
يذهب إيغيش المنحدر من إفريقيا الوسطى إلى الكنيسة كل أحد، ويمارس طقوسه الدينية كما يريد، لكن في الوقت نفسه يلفت الانتباه إلى نوع من "العنصرية" التي يعانيها الطلبة الأفارقة المتحدرون من جنوب الصحراء، إذ يرى أن بعض المغاربة ينظرون إليهم نظرة دونية بسبب لونهم الأسود، قبل أن يضيف بحزن " لسنا أحرارا ولا نفعل ما نريد، فعندما يصل شهر رمضان مثلا لا نستطيع أن نأكل أو نشرب في الشارع، وإذا شربت سهوا من حدة العطش،" تسمع كلاما جارحا من بعض المارة في الشارع"، كما أن ديانته المسيحية تطرح له مشكلا مع بعض المغاربة، على حد تعبيره إذ أن البعض منهم يقومون بتهميشه عندما يعلمون أنه مسيحي، لذلك فهذا الشاب الذي يدرس بشعبة القانون العام بالفرنسية، يرى أنه "يجب اختيار الأصدقاء المغاربة الذين يلتقي بهم يوميا، ليستطيع تبادل الآراء معهم والاستفادة منهم". "
سامي المودني
المغرب هو أمي، نصفي الثاني وبلدي
"عندما أكون في المغرب أحس أنني جزائرية، وعندما أكون في الجزائر أحس أنني مغربية" بهذه الكلمات تحاول سامية (21 سنة) أن تشرح الإحساس المعقد الذي تحس به تجاه ثقافتين متقاربتين كثيرا مكونتين لهويتها، قبل أن تضيف سامية التي قابلتنا قبل أن تسافر إلى الجزائر، " أنا مقيدة بروح البلدين، لذلك لدي هذا الشعور تجاههما وما يزيد الأمر تعقيدا الخلاف الواقع بينهما، لذلك أحاول دائما أن أبقى محايدة". خلف حصولها قبل مدة قصيرة على الجنسية المغربية ارتياحا نفسيا لديها، لأنه " ليس من السهل أن تبقى أجنبيا في بلد ازددت ودرست فيه وعشت بين جدرانه" تقول سامية.
لم تشكل لها جنسيتها الجزائرية التي ظلت تحملها لسنوات عديدة أي عائق لنسج علاقات وصداقات مع مغاربة، بل بعكس ذلك، يحاول البعض التعرف إليها عندما يعلمون أنها من أصل جزائري، للتأكد ربما من النظرة التي يحملونها على سكان تلك البلاد، صحيحة أم لا.
رغم أن سامية ولدت في المغرب إلا أنها لم تقطع في يوم من الأيام شعرة معاوية مع الجزائر إذ تزور بلد أبيها الأصلي كل سنة، وتحافظ على ثقافة البلدين وتقاليدهما في حياتها اليومية بشكل فريد، فعندما تكون بالمغرب تحرص على حضور الطابع الجزائري في بيتها، وفي الجزائر كذلك تبقى محتفظة بكل ما هو مغربي، فالحريرة المغربية مثلا لا بد أن تكون حاضرة على مائدة الإفطار في الجزائر، خلال شهر رمضان الذي قررت أن تقضيه في بلد المليون شهيد.
قبل أن تغادرنا لخصت لنا سامية ماذا يعني لها المغرب بعد تفكير طويل، في كلمات قالت فيها " المغرب هو أمي، نصفي الثاني وبلدي".
كتبها سامي المودني في 05:09 مساءً ::
الاسم: سامي المودني
