مذكرات صحافي فاشل

كتبهاسامي المودني ، في 19 سبتمبر 2008 الساعة: 15:42 م

مذكرات صحافي فاشل

 الحلقة الأولى الطريق إلى المعهد

كنت دائما أحلم بأن أصبح صحفيا لامعا، يفضح المسؤولين ويقدم البرامج السياسية، يحاور السياسيين ويجادلهم، ويكتب مقالاته في أكبر الصحف العربية والأجنبية.

الخطوة الأولى في اتجاه ولوج هذا الحلم، كانت مباراة ولوج معهد الصحافة بالرباط، بعد أن تم قبول ملف ترشيحي من طرف أساتذته الذين سأتعرف عليهم فيما بعد. لم أكن أتوقع أن يتم اختياري من بين مئات المترشحين، لاجتياز الامتحان الشفوي بعد نجاحي في المباراة الكتابية.

أولى الصدمات التي تلقيتها في هذا المشوار، عدم اختياري ضمن لائحة الناجحين النهائية، لأحتل المرتبة الرابعة في لائحة الانتظار، وبينما كنت أمضي أوقات مرحة مع أصدقائي في مدينة طنجة لتجاوز الصدمة التي انضافت إلى صدمة عاطفية عشتها بعد ذلك بمدة وجيزة التي خلفها لي قرار جائر في حقي كان سيفقد الساحة الصحفية إعلاميا متميزا، إذا بموظف من المعهد العالي للإعلام والاتصال وبطريقة غير لبقة يتصل بي ليخبرني بأنني عوضت شخصا من اللائحة الرئيسية، وبالتالي فأنا مقبول للدراسة بالمعهد،

المشكل أنني كنت قد تسجلت بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وكان يجب أن أسحب ملفي من شعبة علم الاجتماع التي تسجلت بها، الأمر الذي لم يكن سهلا مع بيروقراطية إدارية من الطراز الرفيع، لم يتحرك أحدهم ليسحب لي الشهادة الأصلية من الباكالوريا التي حصلت عليها بميزة مستحسن، إلا بعد أن أخبرته أنهم يهددوني مستقبلي المهني للخطر بإجباري على البقاء في كليتهم اللعينة، ولأنني سأدخل في إضراب عن الطعام.

وبعد جهد كبير تسجلت بالمعهد الذي كان يبهرني ببنايته، ودقة ظاهرة في التنظيم والالتزام، لأنطلق في مسلسل جديد عنوانه البحث عن السكن بعدما فشلت في الحصول على سرير يتيم بالحي الجامعي المتواجد بمدينة العرفان.

مازلت إلى اليوم أتذكر أنني أمضيت شهر رمضان لأول مرة بعيدا عن دفئ العائلة لأول مرة في حياتي، رفقة أحد الأصدقاء الذي كان يحضر لنيل شهادة الباكالوريا الإسبانية، عرفني عليه أحد رفاق الطفولة في مدينتي التي أكن لها عشقا كبيرا.

كان ينتابني من وقت لآخر شعور بوحدة فظيعة في تلك الغرفة اليتيمة، إحساس لم ينفع معه تغييري لمحل سكني في حي “القامرة”، ربما لأنني كنت بعيدا عن جو الحي الجامعي، لأكتشف العكس فيما بعد. التي جمعتني مع فؤاد الذي قرر الرحيل في نهاية المشوار إلى إسبانيا بعدما مل من وطن يأكل أبناءه. كان دائما كان ينبهني من وقت لآخر  لحالات السهو التي كانت تنتابني، لم يكن يعلم أنني أرحل في سفر عبر الزمن، حينما أتذكر قسمات وجهها، وأنا أتحدث إليها في ساحة المدرسة. لم أكن أتوفر على الميكانيزمات التي يمكن أن تساعدني على تجاوز الأزمة التي خلفتها لي، لذلك كنت أقضي وقتي في الغرفة ألتهم الكتب والمراجع،….

الحلقة الثانية طلبة مع وقف التنفيذ

 

في الفصل كنت أتوقع أن أجد طلبة وطالبات يتوفرون على ثقافة عامة عالية، ومستوى كبير، لتكون المفاجأة أن طموحي أكبر من الواقع الحقيقي، اكتشفت أن رغبتهم هي صناعة صحفيين تقنيين، يهتمون “بالمواضيع” الاجتماعية التافهة. لم تكن لهم رغبة صناعة صحفيين يطرحون الأسئلة الحقيقية لوطن نحس فيه أننا غرباء، “لا تزعجنا بمواضيعك السياسية هنا نحن معهد محترم، لا نقبل سوى المشاريع الهادفة”، هذا ما كانوا يحاولون أن يقولوه لنا بطرق أخرى، وما اكتشفته رفقة بعض الأصدقاء حينما حاولنا تنظيم ندوة سياسية بالمعهد وكيف تم منعها من طرف الإدارة مسنودة ببعض المرتزقة من “الطلبة”، أو أشباه الصحفيين أولئك الذين يصفون حساباتهم الشخصية الضيقة على صفحات الجرائد، أو يسخرون لتنفيذ بعض “المهمات الخاصة”، ولنا أمثلة كثيرة في هذا الإطار، شعارهم في الإدارة كان ” إذا أردت تنظيم سهرة أو ندوة حول مواضيع الترف الفكري أهلا بك، لكن من فضلك لا تزعجنا بأفكارك”، كانوا يحاولون أن يقولون لنا ” نحن هناك نكون تقنيي المعلومة وليس قادة رأي، لا مجال للإبداع سوى فيما نريده”.

درست مع العديد من الخبزقراطيين، وبالنسبة للذين لمن لم يفهموا هذه الجملة، مثل حاسوبي الذي سطر عليها أيضا بخط أحمر، هم مجموعة من الأشخاص الذين لا تهمهم الأفكار بقدر ما يهمهم الحصول على وظيفة، لا يتخذون مواقف واضحة متذرعين بشعار “الاستقلالية”، يتهربون حتى لا يتموقعون، شعارهم الخبز ولا شيء غير الخبز مهما كان الثمن. كما درست إلى جانب طلبة يبدون للوهلة الأولى أنهم “مناضلين راديكاليين” ومستعدون للثورة في وجه أول مسؤول يقابلهم ، لكنهم في أول دورة قد يقلبون معطفهم من أجل مصلحتهم والتحالف مع الشيطان من أجل ذلك.  مشهد قد يصيبك بالدوار في الأيام الأولى قبل أن تتعود عليه.

جاءت مرحلة الامتحانات، خلال نهاية السنة اجتزنا فيها العديد من المواد لدرجة أنني في لحظة دخلت إلى إحداها دون أن أقوم بإطلالة على الدرس الذي كنت سأمتحن فيه. كانت أغلبها امتحانات شفوية، باستثناء القليل الذي كنا نجتازه في امتحانات كتابية، لعل أبرزها مادة الاقتصاد. هذا الوضع دفع أحد الطلبة أن يلخص الدراسة في المعهد العالي للإعلام والاتصال في الثلاثة أسابيع الأخيرة من السنة.

الحلقة الثالثة: الكذب في التقارير

بعد فترة استراحة قصيرة، التحقت بتدريب بجريدة العلم، خلال شهر يوليوز من سنة 2006، في كثير من الأحيان كان ينتابني شعور بالملل بين جدران تلك الجريدة، لهذا لم أما أستطع كتابة سوى 4 مقالات يتيمة، بعضها لا ينتمي لأي جنس صحفي. باختصار بما أنني كنت ملزما بفترة تدريبية لمدة شهر، كان يجب علي المرور كم محطة جريدة العلم، وأقدم تقريرا عن فترة تدريبي، كان مليئا بالأكاذيب وأعمال لم أقم بها في فترة كنت منهمكا خلالها في تعلم الطبخ، وقراءة المجلات والجرائد، أكثر من القيام بأعمال صحفية.

انقضت مدة التدريب بأيام قليلة، وتوجهت إلى مدينة أكادير حيث أمضيت فترة تخييمية، من تنظيم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، تعرفت فيها على بعض المناضلين السياسيين في جلباب حقوقيين. تجربة لا أخفي أن كان لها بالغ الأثر في مسيرتي المهنية والنضالية، وتعرفت فيها على حقائق عن مغرب آخر مختلف عن المغرب الذي كنت أعرفه، مغرب يعرف ترجعا كبيرا على مستوى حقوق الإنسان، بعد أن حقق العديد من المكتسبات على عهد ملك شاب.

تمكنت من الحصول على سرير بالحي الجامعي السويسي الأول، بعد طول انتظار وتعب، مع بداية السنة الجامعية الثانية في مساري الدراسي، مما شكل مصدر راحة نفسية، إضافة إلى أنه مصدر إزعاج، لأنطلق في مسلسل نضالي أرمي من وراءه تغيير الواقع إلى جانب بعض الزملاء، وطبعا لن أكرر أسطوانة القمع الذي واجهنا به بعض الطلبة المرتزقة مسنودين من طرف إدارة المعهد. دفعني هذا القمع إلى سلك طريق من نوع آخر، لأنني اكتشفت أن التغيير لا يتم إلا من خلال السيطرة على “مركز القرار”، وقررت أن أترشح رفقة بعض الزملاء إلى مكتب الجمعية، ليتم انتخابي رفقتهم رئيسا لمكتب الطلبة.لم تكن تجربتي سهلة ممثلا للطلبة، لأنه لا يمكن أن ترضي جميع الأطراف، وستجد لا محالة من يعارضك ولو في سبيل الله، رغم أننا كسبنا ثقة الكثير من الطلبة، وشرائح واسعة من “الجماهير الطلابية”.

انتهت السنة الثانية بدون خسائر تذكر مثل سبيقتها، إذ نجحت بميزة مستحسن، لتتكرم علي إدارة المعهد “العالي” بتدريب في مكتب جريدة الشرق الأوسط بالرباط، لكن خلال شهر شتنبر. بين الفترتين فقدت الشخص الذي كان يمنح بابتسامته معنى للحياة التي أعيشها، لم أستطع إلى الآن نسيان تقاسيم وجهه وشطحاته الغريبة التي لا أقوى على تحملها.

توفي أبي قبل أن ألتحق بالتدريب، وقبل أن يفرح معي بالشهادة التي سأحصل عليها، ولا أدري لماذا بعد ذلك توالت أخبار الوفيات، كان أخرها وفاة صديقي رمز البراءة محسن البشري، الذي تلاه وفاة محمود درويش، رحمة الله عليهم جميعا.

                    الحلقة الرابعة: محطة بارزة  

كانت السنة الثالثة من مساري الدراسي مميزة بشكل كبير، أمضيت أغلبها وأنا على رأس جمعية لطلبة، لا أدري لماذا بعضهم لم تكن تنفك عقدة لسانهم إلا بين الكواليس، وأمام التجمعات، ولم يكن أحدهم يتقن لغة المواجهة المباشرة، إلا باستثناءات قليلة.

أعرف أن العديد من المشاكل واجهتنا أبرزها استقالة بعض الأعضاء، لكننا في نفس الوقت حققنا إنجازات كبيرة أثارت ربما غيظ بعض الجبناء الانتهازيين، مما دفعهم إلى تصفية حسابهم بكتابة الكلام الساقط في أوراق الجرائد.

كانت أبرز المحطات النضالية في هذه السنة، الأسبوع الثقافي الأول الذي نظم بالمعهد، والذي نوقشت فيه لأول مرة منذ سنوات مجموعة من المواضيع، التي كانت من المحرمات، بالإضافة إلى الإضراب الشامل الذي قاده طلبة المعهد مدعومين بالجمعية، بسبب الوضعية الكارثية التي وصل إليها معهدهم.

لكن في الوقت نفسه، كان علي مواجهة العديد من الصعوبات الصحية، والمشاكل المتعددة والجانبية مع من مازلت أسميهم بالأصدقاء، لذلك فقد كانت السنة الثالثة مليئة بجميع المتناقضات التي يمكن أن يتخليها الإنسان.

تعلمت من خلال تجربتي خلال هذه السنة المذكورة، أن الحياة تصير بلا معنى في بعض الأحيان وبلا أهداف في فترات أخرى.لن أعيد في هذه المذكرات طبعا ما سبقت أن كتبته في بعض الخواطر بمدونتي، لكن ما لم أذكره أنني اكتشفت متأخرا أن العديد من العلاقات التي نسجتها كانت قائمة على المصلحة الخاصة والمنفعة لا أقل ولا أكثر، مع الأسف.

ولكن هذا لا ينفي أن “الحياة حلوة” بس اللي يفهمها، واللي ما مفهمهاش هزوا لما طبعا، وكل رمضان وأنتم بألف خير.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “مذكرات صحافي فاشل”

  1. العزيز سامي المودني

    تجربة جميلة وليس فيها أي تكلف، انها مسيرة صحفي متواضع بالمعنى الايجابي وليست مسيرة فشل..ألا تود كتابة سيرتك الذاتية ..سيرة خالية من أي تورطات خبزوية

    مودتي

  2. اخي يوسف

    اثارتني تجربتك كثيرا

    فاثناء فراءتي لهده الاسطر احسست ان قدري مماثل لتجربتك

    فرغم انني تلميد و اتمنى ان اسير على نهجك اجد صراحة و بدون مجاملة هده الاسطر بمثابة استشراق لمستقبلي، لان وضعيتي و مواقفي الحالية و علاقتي الاجتماعية الباردة مع اقراني “الاميين” اعرف ان النتيجة حتمية لا محالة..لكن دمت متالقا اخي

    تصبح على وطن

    تلميد متمرد

    http://assays.c.la

  3. أخي سامي أحييك على شجاعتك و على بسالتك المنقطعي النظير خلال ايامنا هاته.كنت سأكون زميلك بالمعهد العالي للاعلام و الاتصال لولا الاقدار التي رمت بي الى معهد تكوين الاطر بالميدان الصحي لوزارة الصحة…سبحان الله لم يخب ظني..فقد كنت احس ان ذلك المعهد ليس سوى مطبخ لطهي و اعداد صحافيين معروف واجبهم قبلا.لكن حذار ان تخضع فتصبح واحدا من هؤلاء المستنسخين..أملي فيك كبير..احمل المشعل..حقق احلامنا..تكلم عن همومنا..سلمناك المشعل ايها الصحفي فلا تخن ثقتنا…تابع المشوار واصمد..انا طالب بدار الحديث الحسنية..اريدك ان تكلمني قليلا عن الحي الجامعي السويسي 1 و هذا موقع رسائلي الالكترونية wadi3safi@hotmail.fr ارجو ان تراسلني في اقرب وقت ارجوك الى اللقاء. في انتظار ردك اخوك المجهول

  4. اخي الكريم سامي

    سافرنا عبر سطور كلماتك لحياة طالب للنجاح و الذي سيدركه لا محالة لدى فاول اعتراض اسجله هو انها مذكرات صحافي ناجح و ليس فاشل و اكبر دليل هو الجرأة في الطرح

    باعتباري طالبة في السنة الاولى من المعهد العالي للاعلام و الاتصال احلم بمغرب اجمل اعتقد انه يستحق منا التضحية لاجله و كما يقولون بموت الابطال تعيش الاوطان

    التغيير يحتاج للوقت و الصبر و الشجاعة و كلما وجدت شخصا مثلك زدت اقتناعا بان للمغرب ابناءه الذي يضعون مصلحته فوف كل اعتبار و فوق مصالحهم الخاصة

    تصبح على وطن اجمل

  5. الله يهديك

  6. كمثل الحرب التَمُوزية على لبنان الشقيق عام 2006 ، ها هي الآلة العسكرية الهمجية الصهيونية تعود مرة أخرى لسفك وإستباحة الدم الفلسطيني أمام أعين العالم وبمباركة من دوله المصابة بشيزوفرينيا مزمنة تلك الدول نفسها التي ما فتئت تتشدق علينا بكل مرة أنها المهد الأوحد والمربض المصون لحقوق الانسان بالعالم ، و كدا أمام إنبطاح مهين و رسمي من كافة الأنظمة الكارتونية لـ: بني يعرب بن قحطان ، أمراء من ورق ، وملوك يشبهون حجر الشاه برقعة شطرنج تحركهم امريكا كيفما تشاء وبأي إتجاه تشاء ، ورؤساء كأنهم …

    للمزيد..

    http://rafiq-adarb.maktoobblog.com/1559451/قد_جاوز_الظالمون_المدى/

  7. العزيز سامي…

    استمتعت بقراءة مذكراتك…مذكرات توحي بولادة صحفي ناجح لا يأتيه الفشل من خلف ولا من أمام…تحيتي إليك…

    دام لك الحضور والتجلي…

  8. يا سامي ..السمو والعزة والأنفة كلها شروط تجعل منا نقف أمام الفساد أينما كان.الكل يعرف تلك “البناية السنمارية”-نسبة ال ى سنمار وهو أبرع البنائين الفرس القدامى-التي تدعى المعهد العالي لااعلام والتصال..والانفصال و(لكوفيتير).وتلك المديرة الشمطاء التي كانت تديره في ذلك العهد فماذا أنتج المعهد خلال ولايتها الادارية سوى أشباه صحفيين..ألم نجالسهم في المقاهي فعرفنا أن نصيبهم من الثقافة سوى كلمات متقاطعة نهلوها من صفحات جرائدهم المفضلة..أولئك الجر ذان الذين يخافون القطة اللطيفة التي ليس لها من اللط ف غير الاسم.اخي سامي خبرنا عن جديدك .. صدي ق ك من القامرة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر