حزب الهمة….مسار مليء بالسيناريوهات
كتبهاسامي المودني ، في 23 فبراير 2009 الساعة: 13:00 م
حزب الهمة….مسار مليء بالسيناريوهات
سامي المودني
لم تكن الطبقة السياسية المغربية وهي تستعد للحملة الانتخابية قبل أكثر من سنة، تتوقع أن يقدم من كان دائما يوصف “بالرجل الثاني” في هرم الدولة، وصديق دراسة الملك محمد السادس، أن يقدم استقالته “فجأة” من منصب كاتب الدولة في الداخلية، ويقرر العودة إلى مسقط رأسه في صخور الرحامنة ليترشح لخوض غمار الانتخابات البرلمانية ليوم 7 شتنبر.
رغم أن صديق دراسة الملك محمد السادس ظل يردد أن مبادرته لا تندرج في إطار أي أجندة سياسية، وصدور بلاغ ملكي بعد ذلك أعلن من خلاله عن قبول طلب كاتب الدولة السابق في الداخلية، والموافقة على ترشحه للانتخابات البرلمانية، إلا أن ذلك لم يمنع من التعليق على الخبر في وسائل الإعلام التي خصصت ملفات كاملة للحدث المفاجأة، في محاولة منها لفهم ما حدث، والسيناريوهات المرتقبة، وسط تجنب غالبية الطبقة السياسية الإدلاء بتصريحات علنية على القرار.
هناك من اعتبر أن هذه الخطوة تمهد الطريق لفؤاد عالي الهمة، نحو كرسي الوزارة الأولى، وضرورة اكتسابه الشرعية الشعبية والديمقراطية، مادام الملك كان قد وعد قبل الانتخابات أنه سيحترم المنهجية الديمقراطية في عملية تعيين الوزير الأول، في حين اتجه البعض إلى القول أن صديق دراسة الملك محمد السادس سقط ضحية المؤامرات التي تحاك في المحيط الملكي، نتيجة بعض الأخطاء التي ارتكبها، بالإضافة إلى بعض التحاليل التي رأت أن الهمة نزل إلى الساحة السياسية لمواجهة الإسلاميين في حالة فوزهم بالانتخابات، بالنظر إلى استطلاعات الرأي المنجزة قبل الانتخابات التي رجحت فوزهم بعدد كبير من مقاعد البرلمان.
باستثناء مواجهة “شبح الأصولية”، لم يحدث أي أمر مما سبق، فقد فازت لائحة الهمة التي اختار لها رمز “التراكتور”، بالمقاعد الثلاثة المخصصة لدائرة الرحامنة، ولم يضيع الهمة الوقت كثيرا، إذ حدد منذ البداية خصم المشروع الذي سيدافع عنه، بعد شنه هجوما عبر القناة الثانية على حزب العدالة والتنمية، الذي لم يتردد قياديوه في الرد على صديق الملك عبر نفس القناة ووسائل الإعلام المكتوبة، قبل أن يعود من جديد وينتقد بعضا من قيادييه بشكل لاذع في حوار مع إحدى المجلات.
بعد حصول الهمة على كل مقاعد دائرته، اتجه في خطوة ثانية إلى تأسيس فريق برلماني يتشكل من نواب بعض الأحزاب الصغرى، اختير له من الأسماء فريق “الأصالة والمعاصرة”، أصبح بعد خروج الحركة الشعبية إلى المعارضة ضامنا لأغلبية الحكومة وصمام أمان لها، كما أن صديق الملك فاز برئاسة لجنة الخارجية والدفاع بمجلس النواب. تواثر كل هذه الأحداث دفع حزب الاتحاد الاشتراكي إلى وصف كاتب الدولة السابق في الداخلية “بالوافد الجديد” في بلاغ صادر عن مكتبه السياسي بعد تعيين الحكومة، التي كانت بصمات صديق الملك حاضرة في عملية تشكيلها، لتتوالى تصريحات القادة السياسيين من مختلف الأطياف، والتي اعتبر بعضها أن الهمة “استغل علاقته الشخصية بالملك لتحقيق فوزه بدائرة الرحامنة، مما أخل بقواعد التنافس الشريف، وشكل تراجعا عن المسلسل الديمقراطي الذي سلكه المغرب منذ سنوات“.
بعد مدة لم تكن بالطويلة، أصدر الوافد الجديد منتصف شهر يناير إلى جانب بعض الفعاليات بيانا أعلنوا من خلاله عن تأسيس “حركة لكل الديمقراطيين”، واكبتها تغطية إعلامية في القناتين الأولى والثانية، وظل القائمون عليها يرددون أن هدفهم ليس هو تأسيس حزب سياسي، وإنما مبادرتهم “تهدف لتعبئة كل الديمقراطيين مهما اختلفت انتماءاتهم ومشاربهم السياسية، وتوفير إطار مشترك بالمغرب لكل الذين يؤمنون بالديمقراطية والحداثة”، وقدمها الإعلام الرسمي بمثابة “جمعية” “ستحمل قيمة مضافة للعمل السياسي بالمغرب”، أما الواقفون وراء المبادرة فقد اعتبروا أن مبادرتهم تهدف إلى تأطير المواطنين بسبب تخلي النخبة المغربية عن هذا الدور، لذلك فالحركة طالبت هذه النخبة بالالتحاق بها من أجل حماية المكتسبات الديمقراطية التي راكمها المغرب.
ساد الغموض كثيرا الخطاب الإيديولوجي ل”حركة لكل الديمقراطيين” في بداية ظهورها، لكن هذا لم يمنعها من عقد العديد من اللقاءات التواصلية في بعض المدن المغربية، وسط احتياطات تنظيمية وأمنية من مستوى رفيع، وفي لقاء الحركة التواصلي بالدار البيضاء، تلفظ فؤاد عالي الهمة بجملته الشهيرة أمام حوالي 2000 شخص، “غادي نخلقو الحزب ديالنا وبالفور يا شيفور“.
تأسس حزب الهمة على أنقاض نفس الأحزاب المشكلة للفريق البرلماني للوافد الجديد، بعضها صنع أيام ادريس البصري، بالإضافة إلى أعضاء من “حركة لكل الديمقراطيين”، وحمل المولود السياسي الجديد إسم “الأصالة والمعاصرة”، كما تأسس مكتب وطني مؤقت أسندت مهمة رئاسته إلى حسن بنعدي.
وكان أول امتحان واجهه الحزب الجديد الانتخابات الجزئية التي جرت في دوائر طعن المجلس الدستوري فيها، لتعاد فيها الانتخابات، ورغم ترشيح حزب الأصالة والمعاصرة لأبرز وجوهه مثل صلاح الوديع والحبيب بلكوش في هذه الانتخابات، إلا أن رفاق الهمة لم يحصدوا ولو مقعدا إضافيا باستثناء مقعد مدينة تزنيت الذي كان بحوزة الحزب سابقا قبل طعن المجلس الدستوري، مما جعل البعض يظن أن الهمة وحركته السياسية ليست سوى “ظاهرة إعلامية”، إلا أن صديق الملك سرعان ما عاد إلى الواجهة السياسية، بعد عقد فريقي الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، تحالف سياسي نتج عنه فريق برلماني أصبح يشكل القوة الأولى في البرلمان، متقدما على حزب الوزير الأول عباس الفاسي، الذي أصبح تحت رحمة الفريق البرلماني الجديد.
ثاني مشكل واجهه الهمة، هو مسلسل انسحابات الأمناء العامون لبعض الأحزاب المندمجة في حزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي انطلق مع عبد الله القادري، ليتبعه كل من نجيب الوزاني أمين عام حزب العهد، وأحمد العلمي أمين عام حزب البيئة والتنمية، الذي جمد عضويته.
الطبقة السياسية انقسمت إلى قسمين، واحد مؤيد إلى حد كبير للحزب الجديد، ومستعد للتحالف معه في إطار قطب سياسي ليبرالي، ويضم أحزاب الاتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، كما جاء على لسان الهمة نفسه، أما القسم الثاني فقد أبدى تخوفه من عودة أساليب العهد الجديد في صنع “الحزب الأغلبي” التابع للسلطة، ويتكون أساسا من قياديين في أحزاب الكتلة الديمقراطية وحزب العدالة والتنمية، إذ انتقد بعض الفاعلين السياسيين المنتمين لهذه التشكيلات السياسية ما وصف بحزب السلطة الجديد، واعتبره بعضهم أنه “يفتقر إلى رؤية إيديولوجية واضحة، ويعبر عن إرادة فوقية مرتهنة بمنطق التوازنات السياسية”، بالإضافة إلى “أن البلاد عرفت تجارب مماثلة وفي كل مرة كان يبرر خلق حزب جديد بسد الفراغ في الساحة السياسية، وعدم قيام الأحزاب التقليدية بدورها“.
تخوفات العديد من الأحزاب دفعت الملك إلى التصريح في خطاب العرش بأنه سيظل ملكا لكل المغاربة، رغم أنه أشار في الخطاب المذكور إلى ضرورة قيام أقطاب سياسية قوية وهو الشيء نفسه الذي ظل يردده الهمة في تصريحاته، مما دفع قيادي في أحد الأحزاب المشاركة في الحكومة إلى القول ” متى كنا نطرح تساؤلا هل محمد السادس ملك لكل المغاربة، أم لا؟“.
وليس بغريب أن يكون حزب العدالة والتنمية متبوعا بالاتحاد الاشتراكي، في طليعة المهاجمين للحزب الجديد و”زعيمه الفعلي” كما وصفه عبد الإله بنكيران، الذي لم يتردد بعد انتخابه أمينا عاما لحزبه، في وصف الهمة بالرجل الذي” لا يتوفر على مشروع سياسي سوى مهاجمة الإسلاميين”، كما اعتبر العديد من القياديين البارزين في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي، أن “حزب الهمة الجديد يشكل عودة إلى أساليب العهد القديم، ويمثل تراجعا عن المكتسبات الديمقراطية التي حققها المغرب بعد حكومة التناوب”، وذهبت بعض الأصوات إلى المناداة بضرورة قيام تحالف بين العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي، لمواجهة خطر “حزب السلطة” القادم.
تحركات الهمة دفعت اليسار المغربي، بمختلف تلاوينه إلى إعادة النظر في تحالفاته، والاتجاه نحو التكتل بعقد لقاءات ومنتديات بين قيادييه، لكن النتائج المحققة لحدود الساعة لم تصل إلى المستوى المطلوب، أما الكتلة الديمقراطية فمازالت الأحزاب المشكلة لها تعيش ركودا سياسيا، مما يحول دون ممارستها هذا التكتل لمهامه.
وصل تراكتور الهمة بعد طول انتظار إلى محطة تأسيس الحزب السياسي، الذي من المنتظر أن يعقد مؤتمره التأسيسي، وسط تخوف العديد من الأحزاب السياسية خصوصا تلك التي أنهكتها المشاركة الحكومية منذ 1998 من تحيز الإدارة إلى صديق الملك الذي سيقود “حربا سياسية” ضد إسلاميي العدالة والتنمية خلال الانتخابات الجماعية العام المقبل، والتي يراهن عليها حزب “الأصالة والمعاصرة” على المدى القريب، وفيها سيتأكد مدى التزام الإدارة الحياد، السلبي على الأقل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























