تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي بمدينة سيدي قاسم بعد إغلاق مصفاة النفط التابعة لشركة “سامير”
كتبهاسامي المودني ، في 13 مارس 2009 الساعة: 23:02 م
تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي بمدينة سيدي قاسم بعد إغلاق مصفاة النفط التابعة لشركة "سامير"
فاعلون سياسيون بالمدينة يتخوفون من تحول المدينة إلى جرادة ثانية
جريدة المساء
سيدي قاسم: سامي المودني
أصبح إغلاق مصفاة البترول بسيدي قاسم، وتحويلها إلى مستودع أمرا واقعا يفرض نفسه على جميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين للبحث عن حلول بديلة، تجنب المدينة تكرار سيناريو مدينة "جرادة"، التي أصيبت بالكساد بعدما أغلقت جميع مناجم الفحم بها. فبعد 78 سنة من تواجدها بسيدي قاسم توقفت جميع آلات الإنتاج بالمصفاة، مما كان له انعكاسات سلبية على الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمدينة، بدأت ملامحها الأولى في الظهور بعد مرور حوالي شهرين على قرار الإغلاق النهائي للمصفاة وتحويلها إلى مجرد مستودع، لن يستمر الاحتفاظ به أكثر من أربع سنوات حسب تصريح أمينة بن خضرة وزيرة الطاقة والمعادن.
لم يعد بإمكان المسافرين الذين يمرون في طريقهم على سيدي قاسم، أن يعلموا بوصولهم للمدينة بمجرد مشاهدتهم "للشمعة المشتعلة" فوق برج مصفاة النفط التابعة لشركة سامير، أو أن يشتموا عند نزولهم بمحطة القطار الموجودة بالمدينة، نسيم البترول الذي ظل منذ إنشاء المصفاة في عهد الحماية علامة تميز المدينة، والسبب القرار الذي اتخذه المجلس الإداري لشركة "سامير" بإغلاق مصفاة النفط الموجودة بالمدينة منذ عهد الحماية، والتي كانت وراء استقرار العديد من العائلات بسيدي قاسم، بسبب فرص الشغل التي كانت توفرها لهم.
الإغلاق ووضع العمال
جولة واحدة بين شوارع المدينة يجعلك تتأكد أن هذا القرار كان له انعكاس سلبي على جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة، لكنه لم ينبع من فراغ بل سبقته مجموعة من المؤشرات والإجراءات، التي مهدت من خلالها الشركة لقرار الإغلاق، أولها تسريح ثلثي اليد العاملة مقابل تعويضات عن المغادرة، وهي العملية التي انطلقت منذ سنة 1999 عندما كان عدد العمال يصل إلى 1000 عامل بين الرسميين والمؤقتين والآن لا يتعدى 300، بالإضافة إلى توقف وحدة صناعة الغاز سنة 2006، ووحدة لإنتاج البنزين سنة 2007.
يقدم المجلس الإداري لشركة سامير مجموعة من المبررات لإغلاق المصفاة، من بينها توقف الدعم الذي كانت تمنحه الدولة والمقدر بحوالي 14 مليون درهم سنويا، و قيام الشركة بمجموعة من الاستثمارات بمصفاة المحمدية، مما سمح لها برفع الإنتاج دون حاجة إلى مصفاة سيدي قاسم، وقرار الحكومة منع نوع البترول الذي تنتجه مصفاة سيدي قاسم من السوق في سنة 2009، وغياب جدوى اقتصادية لتأهيل مصفاة سيدي قاسم على صعيد المواصفات البترولية الجديدة، والتي تفرض على ”سامير” إنتاج غازوال وبنزين نظيفين.
"مبررات الربح والخسارة هي التي كانت وراء اتخاذ قرار الإغلاق"، بهده الكلمات يلخص مصدر نقابي أسباب إغلاق مصفاة سامير، بما يحيل مباشرة إلى تجاهل الشركة للنتائج السلبية لقرار الإغلاق على العمال القاطنين بسيدي قاسم، والوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمدينة، التي تعد المصفاة أحد الأعمدة الأساسية التي ترتكز عليها في ظل غياب نشاط لمقاولات صغرى ومتوسطة.مصدر من داخل المجلس البلدي لم يخرج عن هذا الإطار بإرجاعه القرار إلى خوصصة الشركة.
رحيل العديد من عمال وأطر "سامير" كانت له انعكاسات سلبية على وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، إذ تسبب قرار إغلاق المصفاة حسب إبراهيم سوحة الكاتب المحلي للفيدرالية الديمقراطية للشغل في "تفريق الأسر بما أن مجموعة من العمال اقترضوا من أجل بناء مساكن لهم بالمدينة، وهم الآن مضطرين للرحيل إلى المحمدية، وترك أسرهم بسيدي قاسم في انتظار مساكنهم مع بداية الموسم الدراسي المقبل"، مع العلم أن المجلس الإداري للشركة سبق له أن وضع لهم الاختيار بين المغادرة الطوعية مقابل مبالغ مالية، أو الالتحاق بمصفاة المحمدية، مما حرم المدينة من رواج أجور موظفي الشركة، التي تقدر بمئات الملايين من السنتيمات شهريا.
ينضاف إلى هؤلاء العشرات من العمال المؤقتين الذين تم تسريحهم، مما انعكس على وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، كما أن نسبة كبيرة من اليد العاملة المرتبطة بشكل غير مباشر تراجع دورها، أو فقدت مناصبها بعد إغلاق سامير، وأكد مصدر نقابي أن إغلاق وحدة تكرير البترول بالمدينة هو خرق لدفتر التحملات التي التزمت به الشركة بعد قرار الخوصصة، عوض الاستثمار وخلق فرص شغل جديدة بالمدينة.
ما بعد الإغلاق
قبل اتخاذ قرار الإغلاق بشكل نهائي، كانت الآثار الجانبية للإجراءات التي اتخذتها الشركة قبل الإغلاق النهائي واضحة بشكل جلي، فقد أقفلت مجموعة من المحلات التجارية لأبوابها، بسبب تراجع الرواج التجاري بالمدينة، بعد رحيل العديد من العمال وتوجههم إلى المحمدية، حيث يوجد مقر شركة "سامير".
أما وقد أصبح قرار الإغلاق أمرا واقعا، فجولة واحدة في شارع "الحسن الثاني"، المعروف بين السكان "بشارع الرباط"، والذي يعتبر القلب النابض للمدينة، تجعلك تلاحظ ضعف الأنشطة التجارية به، رغم أنه هو الشارع الرئيسي بالمدينة، إذ يضم مجموعة من المحلات التجارية الكبيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى الباعة المتجولين.الشيء نفسه يمكن أن تلاحظه بشارع محمد الخامس"، الثاني بالمدينة من حيث "الأهمية الاقتصادية "، والذي يضم مجموعة من المقاهي، يمكن أن تستنتج أنها متضررة من قرار الإغلاق، بملاحظة بسيطة لكراسيها الفارغة، في أغلب الأوقات خلال اليوم.
لم تستثن تداعيات الإغلاق أي نشاط تجاري بالمدينة، إذ أجمع أغلب التجار الدين استجوبتهم "المساء" على تراجع الرواج التجاري لمحلاتهم. الأمر الذي يرجعه ادريس صاحب محل تجاري للمواد الغذائية، إلى "رحيل العديد من عمال "سامير" مرتفعي الدخل الدين كانوا يتعاملون معه إلى المحمدية".
من جهته، يعتبر عبد السلام حموشان عضو المجلس البلدي لمدينة سيدي قاسم، أن مجموعة من الشركات الصغرى والمتوسطة التي كانت تتعامل مع المصفاة، وتقوم بأعمال الصيانة والإصلاحات، ستتضرر من قرار الإغلاق، خاصة أنها توفر العديد من فرص الشغل لأبناء المدينة، بالإضافة إلى حرمان المدينة من الرواج التجاري الذي كان يخلقه سائقي الشاحنات الكبيرة التي تدخل المصفاة، خلال مدة وجودهم في المدينة، ويضيف حموشان أن الجماعة الحضرية لسيدي قاسم "ستحرم من مئات الملايين من السنتيمات التي كانت توفرها لها شركة سامير سنويا، مما سيؤثر سلبا على العديد من المشاريع التي كانت مبرمجة"، كما أن الدور الذي كانت تقوم به الشركة في تدعيم العمل الثقافي والرياضي بالمدينة، عرف تراجعا كبيرا قبل أن تتخذ "سامير" قرارها بإغلاق معمل تكرير البترول بسيدي قاسم.
لم يكن لقرار الإغلاق نتائج سلبية فقط، بل كان له نتيجة إيجابية على البيئة حسب بعض المصادر الحقوقية، لأن الأحياء المجاورة كانت دائما تشتكي من التلوث المستمر الذي تحدثه الأدخنة السامة الصادرة عن المصفاة، لكن ابراهيم سوحة يجيب بالقول إن "سكان المدينة يفضلون التلوث على قرار الإغلاق، وأن تصبح مدينة سيدي قاسم عبارة عن جرادة ثانية".
تشير العديد من المصادر النقابية كذلك، إلى أن اقتصار الأمن الطاقي للمغرب، على مصفاة واحدة فيه مخاطرة كبيرة، إذ يتساءل مصدر نقابي قائلا، "هل مصفاة واحدة يمكن أن تضمن الأمن الطاقي بالمغرب؟"، ويضيف ابراهيم سوحة أن "الدليل على ذلك لجوء الشركة إلى مصفاة سيدي قاسم، بعد الحرائق التي شبت بمعمل المحمدية".
لم يعد قرار الإغلاق هاجسا يخيف العديد من الفاعلين بالمدينة فقط كما كان قبل بضعة سنوات، بل أصبح اليوم أمرا واقعا لم تنفع معه كل الخطوات التصعيدية التي خاضتها النقابات، أو المعارضة التي أبداها المجلس البلدي، مما يفرض التعامل مع الوضع الجديد بناء على المعطيات الموضوعية.
هذا الوضع الجديد فرض على المجلس البلدي أن يقرر تنظيم يوم دراسي حول موضوع الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية السلبية المترتبة عن قرار إغلاق مصفاة "سامير" بسيدي قاسم، ودراسة البدائل الممكنة التي يمكن أن تخفف من وطأ الإغلاق على سكان المدينة، إلا أن "ظروفا ذاتية وموضوعية تطبعها الحسابات السياسية قبل الانتخابات الجماعية، حالت دون انعقاد اليوم الدراسي"، على حد تعبير مصدر من داخل المجلس البلدي.
|
كرونولوجيا مصفاة سامير تأسست الشركة الشريفة للبترول سنة 1929 بعد اكتشاف النفط خلال سنة 1919 بمنطقة "سلفات" الموجودة في الجهة الشرقية لمدينة سيدي قاسم، قبل أن يتعزز وجود الشركة باكتشاف حقل بترولي أخر بالإقليم بمنطقة "عين الحمراء" سنة 1934. وبعد نفاذ مخزون الحقول المكتشفة في المنطقة بدأت الشركة منذ سنة 1951 في إعادة تكرير البترول الخام المستورد من الخارج بالمصفاة، ومع سنة 1968 تم تأسيس معمل صناعة قنينات الغاز، قبل أن يبدأ العمل بأنبوب النفط الذي يربط بين المحمدية وسيدي قاسم، لتتم خوصصة الشركة الشريفة للبترول سابقا سنة 1997، وإدماجها سنة 1999 في شركة "سامير". وبعد مرور حوالي سبع سنوات على قرار الخوصصة، بدأت الشركة في إغلاق وحدات الإنتاج بالمصفاة، من بينها إغلاق معمل صناعة الغاز سن 2006، وإغلاق وحدة لصناعة البنزين بدون رصاص سنة 2007، تمهيدا لقرار الإغلاق النهائي الذي تم اتخاذه خلال شهر يناير 2008. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























