دفاعا عن اليازغي

كتبهاسامي المودني ، في 11 ديسمبر 2007 الساعة: 11:39 ص

 

دفاعا عن اليازغي

 

 

قررت منذ مدة أن أتوقف عن الكتابة لفترة من الزمن، لكن المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي أبى إلا أن يجبرني على ذلك  قبل انتهاء المدة التي حددتها سابقا لهذا التوقف الذي تتداخل فيه عوامل موضوعية وذاتية يصعب علينا شرحها في الوقت الحالي .

المهم،خلق المكتب السياسي لحزب المهدي وعمر "مفاجأة سياسية" أضفت نوعا من التشويق على الحياة السياسية بهذا البلد، بإقدامه على تخيير  كل من محمد اليازغي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ونائبه عبد الواحد الراضي بين تقديم الاستقالة والخروج بشرف من ساحة المعركة أو الإقالة.

اليازغي لم يستسلم ، لأنه ببساطة ليس من النوع الذي يتخلى عن سلاحه بسهولة، فقد جمد عضويته من منصب الكاتب الأول للحزب وداخل المكتب السياسي إلى حدود انعقاد المجلس الوطني أعلى هيأة تقريرية بعد المؤتمر، والذي من المفروض -حسب ما يفهم مما أقدم عليه اليازغي- هو المخول للبث في مدى أهلية بقائه في منصب الكاتب الأول ومدى أهلية بقاء المكتب السياسي ككل. أما عبد الواحد الراضي الرجل الذي "يجيد القيادة في المنعرجات"  فقد فضل أن يكون أكثر "ديبلوماسية" والإنحاء للعاصفة حتى تمر، بتخليه عن منصب نائب الكاتب الأول للحزب واحتفاظه بالعضوية داخل المكتب السياسي.

من الناحية المنطقية، ما حصل لليازغي كان نتيجة طبيعية لسياسته "الستالينية" داخل الحزب التي لم تكن تؤمن سوى بالفكر الواحد وبمنطق التيار الواحد الذي يجب أن يبسط سيطرته على الحزب تنظيميا وسياسيا،وهكذا أصبح اليازغي في مرحلة من المراحل قائدا للتيار المحسوب عليه وليس لعموم الاتحاديين. وكنتيجة لهذه السياسة المتبعة من طرفه - بالإضافة إلى من كانوا يحسبون عليه في وقت من الأوقات- راكم الكاتب الأول "السابق" لحزب المهدي وعمر الأخطاء تلو الآخرى.

وكمثال على ذلك اللائحة الوطنية للانتخابات التشريعية التي لم ترض جميع الاتحاديات والاتحاديين، إذ فرض اليازغي ومن معه على رأسها أسماء ليس لها تاريخ نضالي طويل، في وقت نجد فيه غيابا لنساء اتحاديات ممن ناضلن من أجل مجتمع ديمقراطي داخل صفوف الحزب، كما فرضت "القيادة" المشكلة أساسا من "التيار اليازغوي" بشكل بيروقراطي وكلاء للوائح المحلية في الانتخابات السابقة ضدا على رغبة القواعد الحزبية في الأقاليم والفروع، حينما ضغط اليازغي ورفاقه من أجل استبعاد مناضلين من قبيل محمد أشبون في تطوان،ومصطفي القرقري في العرائش..مما أفقد الحزب العديد من المقاعد،وقبل ذلك كان "المؤتمر" الوطني السابع للشبيبة الاتحادية وما رافقه من تدبير غير عقلاني من طرف التيار نفسه الذي ظل متشبتا بنفس منطق الفكر الاقصائي ،مما أفرز مكتبا وطنيا مشلولا، وهكذا لم تستطع الشبيبة الاتحادية لعب الدور المنوط بها خلال الحملة الانتخابية. وبالتالي كان من الطبيعي جدا أن يحصل حزب الاتحاد الاشتراكي على نتائج سلبية خلال الانتخابات السابقة.

وبالتالي،كان من المفروض أن تشكل هذه النتائج التي حصدها الحزب جراء السياسة "اليازغوية"مناسبة ليصحح فيها محمد اليازغي -ومعه أعضاء المكتب السياسي- ما راكمه سابقا من أخطاء على مستوى التسيير، غير أنه تشبت من جديد بنفس النهج "الستاليني" القديم خلال مفاوضات تشكيل الحكومة بعد أن فوض المجلس الوطني أمر هذه المفاوضات للمكتب السياسي، حيث انفرد اليازغي باختيار الأسماء التي شارك بها الحزب في الحكومة، مما شكل النقطة التي أفاضت الكأس،رغم أن المكتب السياسي حاول أن يصحح ما يمكن تصحيحيه بإصدار بيان 21 أكتوبر الذي تحدث عن التراجع الحاصل في مسلسل الانفتاح الديمقراطي، بالإضافة إلى  قرار "المساندة النقدية" الذي اتخذه الحزب اتجاه حكومة عباس الفاسي.

من جهة آخرى، وحتى نوفي الأمور حقها علينا ألا ننسى أن محمد اليازغي ليس سوى ذلك المناضل التقدمي الذي انتمى إلى صفوف اليسار باكرا منذ الانشقاق الشهير في صفوف حزب الاستقلال سنة 1959 بزعامة المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد.. وغيرهم من الرواد الأوائل. وكباقي جيله في الحركة الاتحادية خلال سنوات الستينات فقد تأثر اليازغي "بالثقافة البلانكية" المؤمنة بالتغيير الجذري للنظام،وفي بداية السبعينات سينفجر بين يديه "الطرد الملغوم" الذي أرسله له المخزن،والذي كلفه أجزاء من جسده، قبل أن يتخذ إلى جانب رفاقه في الحزب "استراتيجية النضال الديمقراطي" كمنهج "سلمي" في النضال من أجل بناء الدولة الديمقراطية خلال المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975. إنه تلك الشخصية التي عاشت تجربة الاعتقال والسجن في فترات متقطعة من التاريخ السياسي المعاصر خلال النصف الثاني من القرن الماضي، الشخصية التي قرر الملك للحسن الثاني اعتقالها إلى جانب أعضاء المكتب السياسي للحزب بعد البيان الشهير الرافض لمبدأ الاستفتاء على الأقاليم الصحراوية الذي دعا إليه الملك الراحل في مؤتمر نيروبي.

وفي مغرب محمد السادس ظل اليازغي  حاضرا بقوة في المشهد السياسي،  إذ أثار غضب الملك الشاب خلال أحد الاجتماعات  الوزارية عقب أزمة جزيرة ليلى بعد احتجاجه على الطريقة التي دبرت بها الدولة الملف،كما انتقد بشجاعة نادرة الدور الذي أصبح يلعبه المستشارون الملكيون بعد انتخابات 2007 في حوارات متفرقة.

محمد اليازغي لا يجب أن يتحمل وحده المسؤولية فيما وقع، رغم كل الأخطاء التي ارتكبها، لأنه ليس المسؤول الوحيد عن تدبير الحزب خلال المرحلة السابقة،ألم يكن من الأجدر أن يحاسب المكتب السياسي  بشكل جماعي عن حصيلة تدبيره؟من كان ينفذ سياسة اليازغي في وقت من الأوقات في القطاعات والفروع والأقاليم؟ ألم يساهم مجموعة من أعضاء المكتب السياسي بصمتهم في  ما وقع داخل حزب الشهيدين عمر بنجلون والمهدي بنبركة؟لماذا فضل البعض التزام الصمت إلى حدود الإعلان عن التشكيلة الحكومية؟ كيف تم ترتيب فكرة إبعاد اليازغي من منصبه؟ أسئلة ربما سيجد لها محمد اليازغي إجابات خلال المجلس الوطني القادم.

المكتب السياسي  بكل أعضائه  السابع بعد محطة المؤتمر الوطنيكان مسؤولا عن تدبير الحزب،لهذا كان من المنطقي أن يدعو أعضاءه المجلس الوطني للانعقاد في أقرب الآجال ،بما أنه هو الهيأة المخولة لمحاسبتهم بدل اللجوء لسياسة الهروب إلى الأمام،قصد إيجاد حلول للمشكل التي يعاني منها الحزب.

ليس من المنطقي ومن العدل في شيء تقديم محمد اليازغي "كبش فداء" لتجاوز الوضع الذي يعيشه الحزب،خاصة إذا علمنا أن بعض الأعضاء ممن خططوا للانقلاب عليه  كانوا إلى وقت قصير من المقربين إليه،إذ أشرفوا على تنفيذ خططه وسياسته في التنظيم- التي تحدثنا عنها-  وعلى رأسهم ادريس لشكر ومحمد بوبكري…

رسالة محمد اليازغي حملت معها بعض الألغاز التي نحتاج لحل  رموزها في الوقت الراهن،لكن من دون شك سيفجر الكاتب الأول "السابق"للحزب مفاجآت كثيرة،وسيكشف ربما عورات الكثيرين ممن ساهموا في الانقلاب عليه،خلال المجلس الوطني الذي لم يبق له الكثير من الوقت لينعقد ربما تسقط العديد من الأقنعة، فاليازغي  كما أشرنا إلى ذلك ليس من النوع الذي يستسلم بسهولة،و إلى ذلك الحين موعدنا يتجدد بعد انعقاد المجلس الوطني.

 

 

 

  

 

 

  

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة وطنية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر